إثبات قدرت الله التامَّة وتصرُّفه الكامل:
﴿ٱلَّذِى بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ﴾، ليس المقصود بهذه الصيغة لمن يقرأ كلام العرب، ويفهمه كما يفهمونه دون تقعُّر ولا تشدُّق: إثبات «يد» لله تعالى، ولا نفيها عنه، إنَّما المقصود هو إثبات قدرته التامَّة، وتصرُّفه الكامل، واستيلائه المطلق على كل شيء، بحيث لا ينازعه منازع، ولا يشاركه مشارك، فمعنى «تبارك»: أي تعالى، وتعاظم بالذات عن كلِّ ما سواه، ذاتًا وصفة وفعلًا، الَّذي بقبضة قدرته التصرف الكلي في كلِّ الأمور.
﴿ٱلْمُلْكُ﴾: المُلك - بضم الميم - فوق المِلْك، والله سبحانه له السماوات والأرض وما بينهما مِلكًا، ومُلكًا، فالله هو الخالق، وهو المالك، وهو الملك الأعلى فوق الجميع، يؤتي الملكَ من يشاء، وينـزعه ممَّن يشاء، ويعِزُّ من يشاء، ويذل من يشاء. وقد قال تعالى:﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٢٦ تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ﴾[آل عمران: 26، 27].
وقال تعالى:﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾[التغابن: 1].
والذين ادَّعَوا المُلك في الدنيا ملكُهم ناقص مكانًا وزمانًا وحالًا، فهم يملكون جزءًا معينًا من الأرض، ملكيَّةً ضعيفة محدودة، لا تصل إلى أعماق القلوب، وكثيرًا ما يتمرَّد عليهم متمرِّدون.. وفي زمان معيَّن، ثمَّ لا بدَّ أن ينتقلوا عنه بالموت، أو ينتقل عنهم بالانقلاب، كما قال المأمون عند موته: يا من لا يزول مُلكه، ارْحمْ من قد زال مُلكه(1)!