ويقول الشاعر:
وما الموتُ إلَّا رِحْلةٌ، غير أنَّه
من المنزلِ الفاني إلى المنزلِ الباقي(1)
وهذه الآية شروع في تفصيل بعض أحكام المُلك، الَّذي أثبتته لله الآيةُ السابقة، وآثار القدرة، وبيان ابتنائهما على قوانين الحكم والمصالح، واستتباعهما لغايات جليلة.
وإنَّما قدَّمَ الموت على الحياة، مع أنَّه في العادة تذكر الحياة قبل الموت لوجوه نوجزها ممَّا ذكره الإمام الرازي:
أوَّلها: ما قاله مقاتل: أنَّه يعني بالموت حالة النطفة والعلقة والمضغة، الَّتي عليها الإنسان أول ما خُلق، ثمَّ انتقل إلى حالة نفخ الروح فيه، وهنا بدأت الحياة الحقيقية.
ثانيها: ما جاء عن ابن عبَّاس أنَّه يريد الموت في الدنيا، والحياة في الآخرة، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾[العنكبوت: 64]. فهي الحياة الحقَّة.
ثالثها: أنَّ أيام الموت هي أيام الدنيا، وهي منقضية، وأمَّا أيام الآخرة فهي أيام الحياة، وهي متأخرة، فلما كانت أيام الموت متقدمة على أيام الحياة، لا جرم قدَّمَ الله ذكرَ الموت على ذكر الحياة.
رابعها: أنَّ أقوى النَّاس داعيًا إلى العمل مَن نصَب موتَه بين عينَيْه، فقُدِّم؛ لأنَّه فيما يرجع إلى الغرض المَسوق له الآية أهمُّ(2).