ومثل ذلك فصل «الاستعمار» فقد يتوهَّم بعض الناس: أنَّ الاستعمار قد ولَّى عهدُه، وحمل متاعه، ورحل إلى غير رجعة، والواقع أنَّ الاستعمار باقٍ بصورةٍ وأخرى، ولكنَّه غيَّر أساليبه السالفة، وغيَّر شكله القديم، ولم يعد يحتاج إلى احتلال الأرض، والتحكُّم المباشر؛ بل بات يحكم من وراء سِتار، بالنصائح الملزمة، والرغبات الَّتي هي في حقيقتها أوامر، والإشارات الَّتي لها حكم العبارات، والتلويحات الَّتي لها قوَّة التصريحات، وربَّما أكثر منها.
هذا هو ما يجري عليه الاستعمار الجديد: الاستعمار الإمبريالي الأمريكي المتجبِّر، المستكبر في الأرض بغير حقٍّ، الَّذي يقول ما قال قوم عاد: من أشدُّ منَّا قوَّة؟ أو ما قال فرعون: أنا ربُّكم الأعلى!
ولقد قلنا: إنَّ الاستعمار يُغَيِّر لونه كالحرباء، ويُغَيِّر جلده كالثعبان، ويُغَيِّر وجهه كالممثِّل القدير، ويُغَيِّر اسمه كالمزوِّر المحتال، ولكنَّه هو هو، وإن غيَّر صورته، وبدَّل اسمه وعنوانه.
ومن أسمائه الجديدة الشهيرة والمروَّجة اليوم «العولمة» بمعناها السياسي، ومعناها الاقتصادي، ومعناها الثقافي.
على أنَّ هذا الاستعمار قد يستخدم القوَّة العسكريَّة عندما يريد، كما رأينا ونرى إلى اليوم من ضرب ليبيا، وضرب السودان، وضرب أفغانستان، وضرب العراق، وفرض الحصار عليه، وتجويع شعبه، وإماتة أطفاله، لعدم خضوع هؤلاء للاستعمار الجديد، والتمرُّد على أوامره، وليس لمجرَّد عمله الأحمق الظالم باحتلال الكويت، فقد كان الاستعمار وراء إغرائه باحتلالها.