لا أدري لماذا طافت بي هذه الخواطر، وأنا أكتب هذه السطور؟ ولكنْ لعلَّ في سردها عظةً وعِبْرة، وتذكرة لنفسي وللناس، وقد أمرنا الله أنْ نذكر بأساء الماضي، لنقارنها بنعماء الحاضر، فنذكر آلاء الله تعالى وفضله، ونشكره على ما أنعم وأولى.
ومن هنا ذكَّر الله سبحانه رسولَه ﷺ والمؤمنين معه في المدينة بما كانوا عليه في مكة، فقال:﴿وَٱذْكُرُوٓا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[الأنفال: 26].
والمهمُّ في هذه التقدمة: أنَّ هذه الكلمات ـ وإنْ اختلفت أزمنتها وأمكنتها وظروف كتابتها ـ تنبع كلُّها من عينٍ واحدة، هي عين الإسلام الشامل المتوازن، الإسلام القويُّ الَّذي لا يضعف، الآمل الَّذي لا ييئس، المقاوم الَّذي لا يلقي السلاح. فجَّرت هذه العينُ هموم المسلمين الَّتي لا تزيدها الأيام إلَّا الامتداد طولًا وعرضًا وعمقًا!
كما أنَّها جميعًا ـ قديمها وحديثها ـ تتَّجه إلى مصبٍّ واحدٍ، وتسعى إلى هدفٍ واحدٍ: هو الإسهام في إيجاد صحوة إسلاميَّة حقيقيَّة أصيلة، تتميَّز بالرُّشْد والنُّضْج والاستنارة؛ صحوة عقول ذكيَّة، وقلوب نقيَّة، وعزائم فتيَّة، صحوة تعرف غايتها، وتعرف طريقها، تعرف منْ لها، ومنْ عليها، من هو صديقها، ومن هو عدوُّها.
صحوة تعمل على تجديد الدين، وإنهاض الدنيا به؛ صحوة تُصحِّح المفاهيم المغلوطة، وتقوِّم المسالك العُوج، وتوقظ العقول النائمة، وتُحَرِّك الحياة الراكدة، وتنفخ الرُّوح في الجُثَّة الهامدة، فتُعيد إليها الحياة والحركة والنماء.