ولما لم يبقَ هناك عذر لمعتذر بسيطرة المستعمر، أو بنفوذ الأجنبي، اخترع بعض الناس تَعلَّة أُخرى يتعلَّلون بها، وهي: وجود أقليات غير إسلامية، تعيش بين ظهراني المسلمين، ولا تدين بدينهم.
كأن الرجوع إلى الإسلام، والحكم بشريعة القرآن، جور على هؤلاء المواطنين من غير المسلمين، أو إلغاء لشخصيتهم الدينية، والتاريخية.
وكأنهم لم يعيشوا قرونًا متطاولة في ظلِّ حكم الإسلام، ناعمين بالأمان، وبالعدل الذي ينعم بهما المسلمون أنفسهم، ولو مسَّهم ظلم يومًا، لمسَّ المسلمين معهم، وربَّما قبلهم.
ومن العجب أن بعض الناس اجترؤوا على التاريخ فزيَّفوه وقوَّلوه ما لم يقل، واجترؤوا على النصوص فحرَّفوها عن مواضعها، محاولين بهذا وذاك أن يشوِّهوا التسامح الإسلامي الذي لم تعرف البَشرية له نظيرًا في معاملة المخالفين في العقيدة والفكرة، لا في القديم ولا في الحديث.
لهذا رأيتُ أن أقدِّم هذا البحث لطلاب الحقيقة، من مسلمين وغير مسلمين، وهو بحث أساسه العلم والفكر، ومحوره الفقه والتاريخ، وهدفه البناء لا الهدم، والتوحيد لا التفريق.
وفيه نتبيَّن ـ معتمدين على أوثق المصادر وأقوى الأدلة ـ الوضع الشرعي لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي، من جهة ما لهم من حقوق كفلها الإسلام، وما لهذه الحقوق من ضمانات، وما عليهم إزاءها من واجبات، وما أثير حول هذه الواجبات من شبهات. وكيف عاش هؤلاء الذين منحهم الإسلام ذمَّة الله وذمَّة رسوله وذمَّة جماعة المسلمين، طوال العصور الماضية، وخصوصًا العصور الذهبية الأولى، مقارنًا ذلك