ويمتاز هذا الجزء بأنَّ معظم خطبه تدور حول محور واحد، هو أمُّ القضايا، وأولى القضايا، وكبرى القضايا: قضيَّة العرب والمسلمين الأولى: قضيَّة أرض النُّبوَّات، وأرض الإسراء والمعراج، والقِبلة الأولى للمسلمين، وهي القضيَّة الَّتي شغلت الأمَّة منذ عقود من السنين بالاغتصاب الصهيوني لها، وإقامة دولته على أرضها، وإخراج شعبها من دياره، وتشتيته في الآفاق بمساندة من الغرب كلِّه، ابتداء بالإنكليز، وانتهاء بالأمريكان.
ومنذ وعيت على الحياة: وجدت هذه القضيَّة حيَّة حاضرة، منذ ثورة الشعب الفلسطيني سنة 1936م الَّتي شلَّت الحياة المدنية تمامًا، وأعيت الانتداب البريطاني، لولا تدخُّل حكَّام العرب في إطفاء شعلتها.
ولا تزال هذه القضيَّة إلى اليوم المِشعل والمُفجِّر الَّذي يحرِّك الأمَّة من جاكرتا إلى الرباط، ويجمع أفكارها، وإرادتها، ويُلهب أحاسيسها، ويُلهم دُعاتها وخُطباءها: أنْ يقولوا ويُعَبِّروا عن ضمير الأمَّة، فيهزُّوا أعواد المنابر، ويُلهبوا المشاعل والمشاعر.
وقد أتيح لي خلال سِتِّين عامًا من عمري: أنْ يُجَنِّدني الله لقضيَّة فلسطين، أنافح عن حَقِّها بلساني وقلمي، منذ كنت طالبًا بالقسم الابتدائي من معهد طنطا الديني إلى اليوم، وسأظلُّ كذلك ـ إن شاء الله ـ ما دام فيَّ عِرقٌ ينبض، وعينٌ تَطْرِف.
والنَّاس يسمُّون هذا النَّوع من الخُطب خُطبًا سياسيَّة، وأنا لا أفرِّق بين ما يسمُّونه خُطبًا سياسيَّة، وما يُسَمُّونه خطبًا دينيَّة، المهمُّ أن تكون كلُّها خُطبًا إسلاميَّة، من الإسلام تستمدُّ، وعلى الإسلام تعتمد، وإلى الإسلام تهدف، سواء سمَّاها النَّاس: سياسيَّة أم اقتصاديَّة أم اجتماعيَّة أم دينيَّة؛ فالإسلام يشمل الجميع.