أنَّهم خلقوا هذا الكون، وكيف يدَّعون ذلك والكون كان قبلهم؟ قبل أن يوجد نمروذ، وقبل أن يوجد فرعون! كانت السماوات مرفوعة، وكانت الأرض موجودة، وكانت الجبال منصوبة، فكيف يدَّعون أنَّهم خلقوا هذه الأكوان والأجرام؟ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَٰلِقُونَ ٣٥ أَمْ خَلَقُوا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ ٣٦﴾ [الطور: 35، 36]
لم يُخلقوا من غير شيء، ولم يَخلقوا السماوات والأرض، ولم يخلقوا أنفسهم، ولم يخلقوا شبرًا ولا ذراعًا، ولا مترًا ولا فترًا، ولا ذرة ولا خردلة من حولهم، من فوق أو من تحت، فمن الخالق إذن؟ الخالق هو الله، هذا ما تقوله الفطرة، وهذا ما ينطق به العقل.
الفطرة تنطق بوجود الله عند الشدة:
وإذا جحد الإنسان ذلك في ساعات الرخاء والعافية، فسرعان ما يعترف بذلك وقت الشدة، حينما تدلهم من حوله الخطوب، وتشتدُّ به الكروب، ولا يجد يدًا تمتدُّ له بالمساعدة، وييئس من النَّاس من حوله، هناك يرفع بصره إلى السماء ويقول: يا رب، يا رب، هذه هي الفطرة تنطق بين جنبيه، وهذا ما حكاه لنا القرآن الكريم وهو يخاطب المشركين من العرب:﴿هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍۢ طَيِّبَةٍۢ وَفَرِحُوا بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَظَنُّوٓا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾[يونس: 22].
حين يرون الموت بأعينهم، حين يحيط بهم الموج من كل مكان، حين تعصف بهم الرياح، وتلعب بهم الأمواج، هنالك لا يدعون هبلًا ولا مناةً، ولا اللَّات ولا العزَّى، ولا فلانًا ولا علَّانًا، وإنَّما يدعون الله مخلصين له الدين، إنَّما كانوا مخلصين في هذه الفترة، وفي هذه الحالة؛ لأنَّهم رجعوا