ولهذا اتفق الفقهاء على أنَّ الأب لا يأخذ من زكاة ابنه عند حاجته؛ لأنَّ نفقته واجبة عليه، كما تجب عليه نفقة زوجه وأولاده، فهو حين يعطيه الزكاة كأنَّما يعطها لنفسه.
وذكر القرآن قصة ذلك الشيخ الكبير في مَدْيَن الذي صاهره موسى وذلك حين ورد ماء مدين ووجد عليه أمة من الناس يسقون: ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: 23]، معنى هذا أنَّ من حق الكبير أن يسعى أولاده ويكدحوا ـ وإن كانوا بنات ـ حتى يكفوه أمره، ويوفروا له حاجته، وهذا من موجبات عمل المرأة: حاجة الأسرة.
وجاءت السنة النبوية، فأجازت للأب أن يأخذ من مال ابنه ما يحتاج إليه، ففي الحديث الذي رواه ابن حبان في «صحيحه» عن عائشة # : أنَّ رجلًا أتى النبي ﷺ يخاصم أباه في دين عليه، فقال النبي ﷺ : «أنت ومالك لأبيك»(1).
ورواه أبو داود في «سننه» عن عبد الله بن عمرو أنَّ رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنَّ لي مالًا ووالدًا، وإنَّ والدي يجتاح مالي: قال: «أنت ومالك لوالدك»(2).
قال الإمام الخطّابي في «معالم السنن»: قوله: «يجتاح مالي» معناه: يستأصله ويأتي عليه، والعرب تقول: جاحهم الزمان، واجتاحهم إذا أتى على أموالهم، ومنه الجائحة وهي: الآفة التي تصيب المال فتهلكه.