وفي هذه الآيات إشارتان في غاية الأهمية:
الأولى: قوله تعالى:﴿مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ﴾فهي حقيقة علمية، دلّت عليها حقائق العلم الحديث: أنّ كل نبات مكون من عناصر محددة من المعادن والأملاح والماء وغيرها، وهي موزونة بالجرام والملي جرام.
والثانية: أن هذا الكون لا يسير جزافًا، ولا يمضي اعتباطًا، بل كل شيء فيه بمقدار وحساب وميزان، فلو زادت كمية الماء في البحار عما هي عليه، أو نقصت، ولو زاد حجم الكرة الأرضية عما هو عليه، أو نقص، ولو زادت سرعة دوران الأرض حول نفسها أو حول الشمس أو نقصت، ولو زادت كمية الأوكسجين عمّا هي عليه أو نقصت، إلى آخر هذه الاحتمالات، لو حدث ذلك ما قامت الحياة على الأرض.
وقال تعالى:﴿ٱلْأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ ٧ تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ٨ وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَـٰرَكًا فَأَنۢبَتْنَا بِهِۦ جَنَّـٰتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ٩ وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَـٰتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ١٠ رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ۖ ﴾[قۤ: 7 ـ 11].
ولا ينافي تنزيل الماء المبارك من السماء أنه مُخرج أصلًا من الأرض. فهو يخرج ويتبخّر ويصعد إلى أعلى، ويكوّن السحاب المسخر بين السماء والأرض، ومن هذا السحاب ينزل الماء، وهو من جهة السماء، لا من السماء نفسها، كما هو معلوم اليوم لتلاميذ المدارس.
وقد قال الشاعر العربي قديمًا في ممدوحه:
كالبحر يُمْطِرهُ السحابُ، وما له
فضلٌ عليه؛ لأنَّه من مائه(1)!