ونقول لهؤلاء: بل هناك دليلان شرعيان مؤكدان.
أولهما: الإجماع الذي نقله ابن المنذر والنووي وابن قدامة وغيرهم على جواز التحديد المقدَّم؛ ولم يشذَّ عن ذلك فقيه واحد، ولا مذهب من المذاهب.
وثانيهما: الأحاديث الصحاح التي جاءت في منع المزارعة بشيء معيَّن، مثل ثمار قطعة معيَّنة من الأرض، أو مقدار معين من الثمرة، خشية أن تسلم هذه القطعة ويهلك غيرها، أو العكس، فيكون لأحدهما الغُنْم يقينًا، وللآخر الغُرْم، وهذا ينافي العدالة المحكمة التي ينشدها الإسلام.
قال العلامة ابن قدامة: والمضاربة مزارعة في المعنى(1).
وصدق 5 ، فالمضاربة مزارعة في المال، كما أنَّ المزارعة مضاربة في الأرض.
الحق أني لم أجد للممارين المماحكين بالباطل في تحريم الفوائد أي منطق قوي، أو حُجَّة مقنِعة، إلَّا دعاوى أوهن من بيت العنكبوت.
وحسْبنا أنَّ المجامع العلمية والفقهية الإسلامية، والمؤتمرات العالمية للاقتصاد الإسلامي والفقه الإسلامي كلها قد أجمعت على أنَّ الفوائد البنكية هي الربا الحرام. وهو ما تضمنه هذا الكتاب.
لقد مر العقل الإسلامي في المجال الاقتصادي بعدة مراحل:
مر بمرحلة «التبعية» الفكرية المطلقة، التي ترى ضرورة أخذ الحضارة الغربية بخيرها وشرِّها، وحلوها ومرِّها.