وقد رأينا قبيلتي الأوس والخزرج في يثرب قبل الإسلام، ظلَّتا تحارب إحداهما الأخرى سنين طويلة، تنتصر هذه مرَّة، وتنهزم أخرى، يُؤجِّج نار الحرب بينهما اليهود، الذين كانوا يجاورونهم. وكان بعضهم حلفاء للأوس، وبعضهم حلفاء للخزرج.
وكان شعار الرجل الجاهلي: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا! بمعناها الظاهري، أي: كُنْ معه على خَصمه، مُحِقًّا كان أو مُبْطلًا.
ووُصِف بعض زعماء القبائل: أنَّه إذا غضب: غضب له عشرة آلاف سيف لا يسألونه: فيم غضب؟!
وقال الشاعر يصف إحدى القبائل:
لا يسألون أخاهم حين يندبُهم
في النائبات على ما قال برهانا(1)
أي: يُهرَعون لمناصرته بمجرَّد أن يدعوهم، دون أن يتحقَّقوا من صدق دعواه.
فلا غرو أن يُحذِّر الرسول أمته في حَجَّة الوداع، أن يعودوا إلى عهد الجاهلية الجَهْلاء، في النزاع والقتال بعضهم لبعض، وقال بصريح العبارة كما في الحديث الذي رواه الشيخان، عن جرير بن عبد الله البَجَلي قال: قال لي رسول الله ﷺ في حَجَّة الوداع: «اسْتَنْصِت النَّاس». أي: ادعهم إلى الإنصات ـ حتى يُصدر إعلانه عليهم وهم في حالة هدوء ـ ثم قال: «لا ترجعوا بعدي كفَّارًا، يضربُ بعضُكم رقابَ بَعْضٍ»(2). ومعنى هذا الحديث: أنَّ القتال بين المسلمين ضربٌ من الكفر أو يؤدِّي إلى الكفر،