يترابط أهلها فيما بينهم بروابط شتَّى: كالنسب والمصاهرة والجوار والصداقة والزمالة في العمل، والاشتراك في تأمين حاجات القرية، والدفاع عنها.
ومن هذه القرية أو البلدة أو المدينة: بدأت قضية «الوطن». فحين تعدَّدت البلدان والقرى، واضطرَّ الإنسان لسبب أو لآخر أن يهاجر من بلده، لم ينسَ الموضع الأول الذي عاش فيه، وكوَّن به علاقات حميمة، من أهل وأصهار وأقارب وأصدقاء وأحبَّة، وأمسى مرتبطًا عاطفيًّا بذلك المكان وأهله، كما عبَّر عن ذلك أبو تمام بقوله:
نقِّل فؤادك حيث شئتَ من الهوى
ما الحبُّ إلَّا للحبيب الأول !
كم منزل في الأرض يسكنه الفتى
وحـنينه أبدًا لأول منـزل (1)!
وكان الوطن أول الأمر يتعلَّق بتلك القرية أو المدينة، ثم لما تطوَّرت حياة البشر وعلاقاتهم، تكوَّنت أوطان أكبر من ذلك، تشمل إقليمًا كبيرًا، ثم عدَّة أقاليم تنتظم تحت سلطان واحد يجمعها: ديني أو اجتماعي أو سياسي.
على كلِّ حال، نرى فكرة «الوطن والوطنية» تقوم على حاجة الإنسان إلى المكان وارتباطه به، وهذا أمر طبيعي، فكلُّ كائن حيٍّ محتاج إلى مكان أو مأوى يلوذ به، فالوحوش لها جحورها، والطير لها أعشاشها. وقد نرى الطيور والأسماك ونحوها تسير المسافات الشاسعة، وقد تخترق البحار والمحيطات، ثم تعود إلى أماكنها الأولى، أي إلى أوطانها، لا تضلُّ طريقها إليها، بحاسة الهداية العامة التي منحها الله لكلِّ مخلوقاته:﴿ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ﴾[طه: 50].