الحنين إلى الوطن فطرة:
ومن هنا كان حبُّ الوطن والحنينُ إليه فطرةً بشريَّة، يشترك فيها الناس عامة، مؤمنهم وكافرهم، عربهم وعجمهم، أبيضهم وأسودهم.
وقد قال ابن الرُّومي(1):
وحبَّب أوطانَ الرجالِ إليهمُو
مآربُ قضَّاها الشبابُ هنـالكَا
إذا ذكروا أوطانَهم ذكَّرتهُمُو
عُهودَ الصِّبَا فيها، فحنُّوا لذلكَا
وحين هاجر الرسول ﷺ وأصحابه من مكة إلى المدينة، كانوا يحنُّون إلى مكة، ويشعرون بالشوق إليها، إلى ربوعها وجبالها ووديانها، وكلِّ ما فيها.. فقد مرض بلال 3 ، فدخل عليه الرسول وهو ينشد ويقول:
ألا ليتَ شِعْري: هل أبيتنَّ ليلةً
بوادٍ، وحولي إذْخِـرٌ وجَلِيلُ؟
وهل أَرِدَنْ يومًا مِياهَ مَجَنَّـةٍ
وهل يبدُوَنْ لي شَامَةٌ وطَفِيلُ؟
يتمنَّى بلال أن يسعده القدر يومًا بليلةٍ يبيت فيها بهذا الوادي الذي قال عنه القرآن: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ ﴾[إبراهيم: 37]وحوله حشيش الإذخر، وأن يجود عليه الدهر، فيَرِد مياه مَجَنَّة بمكة، ويظهر له شامة وطفيل، وهما من جبال مكة.
وهنا دعا النبي ﷺ ربه: وقال: «اللهمَّ حبِّب إلينا المدينة، كما حبَّبتَ مكة أو أشدَّ...»(2).