نتيجة لما يحسُّ به من تناقض صارخ، بين ما يؤمن به من أوامر دينه ونواهيه من جهة، وما يعايشه ويضغط عليه من أفكار المجتمع ومشاعره وتقاليده وأنظمته وقوانينه، التي يراها مخالفة لتوجيهات عقيدته، وأحكام شريعته، ومواريث ثقافته، من جهة أخرى.
الإنسان ـ كما قال القدماء ـ مدنيٌّ بطبعه. وكما قال المُحدَثون: حيوان اجتماعي. أي أنه لا يستطيع أن يعيش وحده، بل لا بدَّ أن يتعاون مع غيره، حتى تستقيم حياته، وتتحقَّق مطالبه، ويستمرَّ نوعه. وقد قال الشاعر العربي:
الناس للناس مِنْ بدوٍ وحاضرةٍ
بعض لبعض ـ وإن لم يشعروا ـ خدمُ !
والإسلام لا يتصوَّر الإنسان وحده، إنما يتصوَّره في مجتمع، ولهذا توجهت التكاليف إليه بصيغة الجماعة: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ﴾ ولم يجئ في القرآن: (يا أيها المؤمن). وذلك أن تكاليف الإسلام تحتاج إلى التكاتف والتضامن في حملها والقيام بأعبائها، يستوي في ذلك العبادات والمعاملات.
فإذا نظرنا إلى فريضة كالصلاة، وجدنا أنها لا يمكن أن تقام كما يريد الإسلام، إلا بمسجد يتعاون الجميع على بنائه، ومؤذن يُعْلم الناس بمواقيت الصلاة، وإمام يؤمُّهم، وخطيب يخطبهم، ومعلِّم يعلِّمهم، وهذا كلُّه لا يقوم به الفرد، وإنما ينظِّمه المجتمع.
وقد جعل القرآن أول أعمال الدولة المسلمة إذا مُكِّن لها في الأرض: أن تقيم الصلاة، كما قال تعالى:﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا ٱلزَّكَوٰةَ٠٠٠﴾[الحج: 41].
ومثل ذلك يقال في فريضة الصوم، وضرورة ترتيب أمور الحياة في رمضان ترتيبًا يُعين على الصيام والقيام والسحور وغيرها.