بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15، 16].
هذا الكتاب فسَّره المسلمون وخدموه، كلٌّ في مجال اختصاصه، فمنهم من خدمه بالحفظ، ومنهم من خدمه بالكتابة، ومنهم من خدمه بالقراءة، ومنهم من خدمه بالتفسير، ومنهم من خدمه باستنْباط الأحكام من آياته، وذلك منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا.
وقد يسأل سائل: لقد قلت: إنَّ القرآن كتابٌ مبين، وكتاب ميسَّر للفهم والذكر، فلماذا احتاج إلى تفسير؟
أقول: احتاج القرآن إلى تفسير؛ لأنَّ الكلام البليغ الَّذي يوجز المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة يحتاج إلى أن يفسَّر ويشرح للناس، حتَّى يكتشفوا ما وراء كلماته من كنوز المعرفة والحقائق، ثم هناك ألفاظ قد تخفى معانيها على النَّاس وهو ما يعرف بعلم غريب القرآن.
وهناك أشياء قد يفهمها النَّاس على غير وجهها كمن يأخذ المجاز على أنَّه حقيقة، كما يروى عن عدي بن حاتم الطائي أنَّه فهم من قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ﴾[البقرة: 187]. أنَّهما خيطان على الحقيقة، وجاء بخيطين أحدهما أبيض والآخر أسود، ووضعهما على وسادته، ومضى ينظر فلا يتبيَّن له الخيط الأبيض من الأسود، فلمَّا كان النهار ذهب إلى رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ : «إنَّما هما بياضُ النَّهار وسوادِ اللَّيْل»(1)، وبيَّن له أنَّ الأمر على المجاز.